حوار من القلب الى القلب في السياسة وبعيداً عنها
سليمان لـ "كلام": التعديلات الدستورية المطلوبة عديدة
لن امدّد وقانون الانتخاب الجديد سيبعد الطائفيين
فتح رئيس الجمهورية ميشال سليمان ابواب قصر بعبدا وابواب قلبه لطلاب قسم الاعلام والتواصل في جامعة القديس يوسف مقدّماً لهم صورة مختلفة عن رئيس مختلف. اكتشف الطلاب رئيساً للبلاد شاباً بأفكاره وطموحاته، مؤمناً بالتغيير مثلهم واكثر، تواصلياً من الطراز الرفيع، يعرض، يشرح، يفنّد، واحياناً يعترض، وكل ذلك باحتراف عال. قدّم نموذجاً مدنياً محبباً لرئيس امضى الشطر الاكبر من عمره في الثكنات العسكرية يصدر الاوامر.
وفي حديثه الى "كلام " بدا الرئيس مدركاً بعمق مشكلة لبنان وتركيبة لبنان على حد سواء، فأكد ان التعديلات الدستورية المطلوبة حتى تستقيم الامور عديدة، لكنها لا تتم الا بالتوافق.
وما فاجأ الطلاب في كلامه موقفه الحازم في رفض اي تمديد لرئاسته خلافاً لما جرت عليه الامور منذ اتفاق الطائف.
عادة يستطيب اهل البزة المرقطة الاقامة في القصور الرئاسية. مع ميشال سليمان تبدو الامور مختلفة، هو جاء لمهمة محددة: انقاذ الجمهورية... والدستور. وليس صدفة ان يكون الدستور مع صورته يقسم اليمين عليه بعد انتخابه رئيساً هي واحدة من صورتين فقط تتصدران الصالون الرئاسي في قصر بعبدا.
في ما يلي نص الحديث الذي اجري قبل تأليف حكومة الوحدة الوطنية:
*بعد مرور سنة و6 اشهر على وجودكم في رئاسة الجمهورية هل تشعر بشيء من خيبة الامل كون الامور لم تتغير كثيراً؟
لو كان عندي خيبة امل لكنت تركت موقعي.لا يمكن لخيبة الامل ان تتسلل الى نفسي لأني اعرف لبنان جيداً، وادرك مشاكله الكثيرة التي يعيشها. اريد الكثير للبنان طبعاً. في الفترة الاخيرة من قيادتي للجيش قبل تولي رئاسة الجمهورية كنت وحيداً في مواجهة امور مرتبطة بالوحدة الوطنية، ورغم صعوبة الظروف التي مرّ بها لبنان لم اسمح لنفسي بأن تصاب بخيبة امل. لا تنسوا ان لبنان بقي محكوماً من دول خارجيّة لأكثر من 35 عاماً، فهو الآن على درب الديموقراطيّة وهذا يتطلّب وقتاً لنتعلّم كيف نشكّل حكومات تمثّل الجميع بعدما كانت الحكومات تشكّل او بالاحرى تعيّن خلال 24 ساعة. في الفترة الحالية نبدو كأننا نتدرب على الديموقراطية. ما هي الديموقراطية؟ انها باختصار الالتقاء على امر مشترك والاعتراف بالآخر. يجب ان نتقبّل العيش مع بعضنا البعض وان نتقبّل الآخر. فلبنان فريد من نوعه في ما يخصّ اختلاط الطوائف ويمكن ان نأخذ مؤسسة الجيش على سبيل المثال، فالجيش مختلط وافراده موحّدون في كل القضايا التي عليهم مواجهتها. وكنت دائماً في خطاباتي لهم، في السنوات العشر التي كنت فيها قائداً للجيش، اقول لهم ان كل الذي يقال مجرّد شعارات وان دور الجيش هو دائما الحفاظ على السلم الاهلي. وكنت دائماً احرص على ضمان ان يكون الجيش موحداً عندما اترك قيادته.
ليس صحيحاً ان ما يجري يثير الخيبة، فما تحقق منذ انتخابي حتى الآن كبير ويمكن البناء عليه للمتابعة: من العلاقات الديبلوماسية بين لبنان وسوريا وهو مطلب عمره من عمر لبنان، الى اجراء الانتخابات النيابية في يوم واحد بطريقة ديموقراطية وشفافة شكلّت تحدياً لنا وهنأنا عليها العالم، وصولاً الى تحقيق الاستقرار الامني بعد ما شهدناه منذ العام 2005. يضاف الى ذلك ان لبنان عاد الى الخريطة السياسية الدولية وبات فيه مرجعية فاعلة. كل هذه الامور اعادت شيئاً من الثقة ببلدنا، والدليل ما شهدناه من نشاط سياحي في خلال الصيف الماضي واعداد المصطافين والمغتربين الذين زاروا لبنان. بالتأكيد لا اعيش اية خيبة امل واطمح الى تحقيق الكثير للبنانيين وللشباب منهم. وفي الانتخابات النيابية المقبلة سيقترع الشباب الذين اتموا الـ 18 من عمرهم والمغتربون.
*بحكم الممارسة ما الذي اختبرته على صعيد ممارسة الحكم؟ وهل يمكن لرئيس الجمهورية ان يمارس دوره المحدد في الدستور كحكم وحاكم؟
سبق لي وان تطرقت الى هذا الموضوع في خطابي في عيد الجيش حين قلت: اذا كانت العلة في الدستور فلنعدّله، واذا كانت العلة فينا فلنرحل. انا لم اتطرق في هذا الخطاب الى التعديلات المطلوبة في صلاحيات رئيس الجمهورية فقط انما في سائر السلطات. التعديلات الدستورية المطلوبة كثيرة وهي تحتاج الى اتفاق، وهذا امر معروف في جميع الدول وخصوصاً لبنان. ليست المسألة مسألة فرض، وهناك بعض التعديلات المفيدة التي تم تناولها في وسائل الاعلام.
كل هذا بالطبع مطروح للنقاش والتوافق لكنه يتبادر الى الذهن في ضوء ما خبرناه من اشكالات تعرقل حسن سير المؤسسات وبالتالي شؤون الناس ومصالحهم.
*كأس التمديد مرّت على جميع الرؤساء بعد اتفاق الطائف، وانتم من الذين رفعتم لواء صيانة الدستور والتزام احكامه، هل ستشكلون الاستثناء الاول لهذه القاعدة في نهاية عهدكم؟
دعني اقول بداية اني من انصار تجديد الدم في سائر المؤسسات والادارات وقد ترجمت هذا الموقف بالفعل عندما كنت قائداً للجيش حين اردت ان اترك المنصب بعدما امضيت 10 سنوات في القيادة. يجب ترك المجال للآخرين، للخبرات والقدرات الجديدة، للجيل الجديد. يجب اعطاء المجال للعقليات وطرق التفكير الجديدة.قد يضطر بعضهم في مركز ما للتمديد في وضع استثنائي فعلاً، لكنني مؤمن بأن المسؤول في اي مكان يجب الا يبقى في منصبه فترة تتجاوز ثلاث او اربع سنوات، نحن لا نتكلم عن امبراطوريات.
في دول العالم الديموقراطي تعتمد فترة رئاسية مدتها 4 سنوات مع امكان التجديد بالانتخاب، وانا ارى ان هذه الفترة ملائمة ومعقولة. بالنسبة اليّ اؤكد منذ اليوم انني سأحترم احكام الدستور ولن اقبل التمديد. ستقولون اني اعطي هذا التاكيد لأني في فترة ولاية جالس على كرسي الرئاسة. سينتهي هذا العهد وستتأكدون من مدى التزامي احكام الدستور. قد يقترحون عليّ التمديد لكن من المؤكد اني لن اقبل.
*ما هي ايجابيّات وسلبيّات ان يصبح قائد الجيش رئيساً للجمهوريّة؟
طالما ان بإمكان قائد الجيش ان يدير مؤسسة تضم عناصر من جميع الطوائف اللبنانيّة وان يقنعهم بأن يتعالوا عن الشعارات وان يبقوا موحّدين في وجه كل المخاطر، ان في الداخل ام من الخارج، فيمكنه ان يكون رئيساً للجمهوريّة. الجيش وقف في 8 وفي 14 آذار في وجه المخاطر بالطريقة ذاتها ونجح في الاختبارات الصعبة التي مرّ بها في خلال السنوات الاخيرة. الفارق الوحيد ربما بين قائد الجيش ورئيس الجمهوريّة هو ان قائد الجيش يعطي الاوامر بينما الرئيس لا يعطيها.
في موضوع التعيينات التي حصلت في الحكومة الاخيرة للرئيس السنيورة مثلاً حاولت تقريب وجهات النظر. الرئيس لا يستطيع حسم الاسم المرشح للتعيين اذا لم يحصل القرار على ثلثي الاصوات في مجلس الوزراء. يحاول اقناع الباقين او يختار الشخص الذي يشكل نقطة تلاق، كما حدث في مسألة التعيينات التي جرت في مناصب: قائد الجيش ورئيس مجلس القضاء الاعلى والمجلس الدستوري وبعض التعيينات الاخرى. وحاز الذين عيّنوا في الواقع على ثقة الجميع ولم يشكلوا اي استفزاز لأحد، وتم التوافق عليهم.
*لماذا لم يتم تعيين وسيط للجمهورية طالما ان القانون المتعلق به صدر عام 2004؟
هو منصب مهم جداً وانا وضعته في مفكرتي، لكن الفترة الماضية كانت فترة استعداد للإنتخابات. لا تنسوا اننا دخلنا بعد انتخابات الرئاسة فوراً في ورشة قانون الانتخاب والتحضير للإنتخابات النيابية في ظل عدم اعتراف الاقلية بالاكثرية الخ... اذاً كانت فترة انتخابات وكان لدى الجميع رغبة بعدم اجراء تعيينات الا في بعض الحالات الاضطرارية.
*في موضوع التعيينات هناك ظلم يطال الكثيرين نتيجة تخصيص مراكز معينة لطوائف معينة، بحيث ان هناك مواطنين من فئة اولى وآخرين من فئة ثانية...
مقاطعاً: انتم ترون الصعوبات، وهناك مسؤولية عليكم. عليكم ان تغيروا، نحن لم نستطع التغيير. لماذا؟ حين كنا شباباً وفي مثل عمركم اردنا التغيير، كنا "ثوريين" قبل دخولنا الى الجيش، لكن ظروف لبنان لم تسمح بذلك على مدى 35 عاماً، لم يكن هناك مجال للتغيير. دوركم انتم ان تغيروا.
*يريد الشباب قانوناً انتخابياً عصرياً
علينا ان نعد قانوناً انتخابياً عصرياً نريد ان نفعل ذلك، طبعاً.
الغاء الطائفية
*هل تتصورون ان الغاء الطائفية السياسية وحدها قادرعلى حل المشكلة ام اننا بحاجة الى اقتلاع النظام الطائفي بكل مكوناته من جذوره مع الحفاظ على هذا الغنى الثقافي الذي نعيشه؟
لا اريد الحديث عن كلمات لا نعرف معناها. الغاء الطائفية السياسية لا يعني ابداً الغاء المناصفة في الحياة السياسية، والا لن يبقى لبنان لبنان. يجب ان نعمل على تغيير قاعدة اختيار ممثلينا وانتخابهم.
انا اريد ان يبقى الماروني والسني والشيعي ولكن من دون ان تكون القاعدة طائفية. اريد ان امنع تمترس الشخص خلف طائفته كي يكسب الاصوات. القانون (الانتخابي) بحاجة الى جهد لإقراره. النسبية تساعد طبعاً ولكن الدوائر مهمة ايضاً. هناك امور بحاجة الى درس معمق، وتوجد دراسات جاهزة ومناقشات. علينا اعداد قانون يبعد اولئك الذين يستعملون الطائفة للفوز في الانتخابات النيابية. يطرح البعض شعار: "انا احمي الطائفة الفلانية". لا، لا اريد منه ان يحمي هذه الطائفة، اريده ان يحمي لبنان. فليفز الماروني بأصوات غير اصوات الموارنة، و ليفز السني بأصوات غير اصوات السنة، و لينشأ مجلس الشيوخ لحفظ الخصوصيات، ولكن شرط ان تبقى المشاركة متعادلة في لبنان ليبقى كما يحبه كل اللبنانيين. هذا مطلب للمسلم كما هو مطلب للمسيحي. الجميع يريدون التنوع في لبنان. حتى المؤسسات الوطنية الكبرى يجب ان تحظى في قيادتها بهذا التنوع، طبعا ليس "على المسطرة" كما سبق وقلت، حيث تقفل بعض المناصب وتحصر بطائفة معينة. التغيير يبدأ في السياسة وينتقل الى الادارة. علينا مثلاً حفظ القضاء وان نجعل هيئته الاساسية متنوعة، وذلك الجيش اي ان نحفظ المشاركة المتعادلة للطوائف في المؤسسات الوطنية الكبرى. انا اؤيد هذه الفكرة مئة بالمئة. هذه صورة لبنان، والا فلن يعود لبنان لبنان.
*هل يمكن ان نطمح بأن يبصر هذا القانون النور في عهد فخامتك؟
علينا ان نعمل لتحقيق ذلك. انا مثلاً كنت اطمح ان تؤلف الحكومة بعد اسبوع من التكليف لكن العملية استغرقت وقتاً طويلاً. انا اطمح لتحقيق هذه الافكار وقد تناولتها في خطاباتي، وان شاء الله سنحققها.
حين يستقر البلد يجب ان نخرج من الروتين و ثقافة المألوف، وان نفكر بأشياء مغايرة كالتي تفكرون بها: لماذا لا اعطي المنصب الفلاني للطائفة تلك او لمرأة او لشاب؟ اذكر مثلاً حين اردت تعيين زياد بارود وزيراً للداخلية اعترض الكثيرون على تعيينه لصغر سنه، فقلت لهم: انظروا الى الذين ورثوا سياسياً في لبنان، اليسوا صغاراً في السن؟ ورثوا السياسة واعمارهم لم تتجاوز 28 و29 عاماً.ايعقل الا اوزّر زياد بارود لأنه ليس وريثاً سياسياً؟ قلت للمعترضين انا لا اعتبر انه صغير السن، فأنا حين كنت في الثمانية والثلاثين من عمري كنت اعتقد انه عند بلوغي الخامسة والاربعين، يجب ان اتقاعد واذهب الى البيت. نعم، يوجد خوف من التغيير، لكن هذا الامر بحاجة الى جراة الشباب.
*الهدف الاول لكل شاب لبناني هو الهجرة، هل من تصور معين لديكم للحد من هذا النزف؟
في عالمنا اليوم اصبحنا بحاجة الى تحديد معنى كلمة "هجرة". انا لا اعتقد ان هناك شيئاً يسمى هجرة في عصرنا الحالي. اذا كان اخوك او صديقك مسافراً، تستطيع البقاء على اتصال معه وقد يعرف اخبار لبنان قبلك. انا اليوم رئيس للجمهورية، مشغول باللقاءات طوال النهار، ابني يدرس الطب في اميركا، يسمع الاخبار السياسية قبلي، فيبعث لي برسالة نصية sms عن خبر ما، افاجأ فاسأل المحيطين بي عن الحدث لذي لم اتابعه لانشغالي بالمواعيد. الخلاصة انه لم يعد هناك ما يسمى هجرة بمعنى الهجرة. اين تكون الهجرة؟ تكون حين تنفصل احلام وطموحات اي شاب عن وطنه، انا اريد منه ان يحلم بوطنه، وان يطمح الى البقاء فيه.
اريد ان اتحدث عن اللبنانيين المغتربين الذين التقيتهم الصيف الفائت. فرحت بهم لأن احلامهم ما زالت في لبنان. الذين عادوا هذه السنة كانوا كثيرين، التقيت العديدين منهم في بيت الدين اثناء زيارتهم القصر حيث صودف وجودي هناك. وجدت ان الام ما زالت تتكلم العربية بعكس ابنها الشاب. ربما مرت ثلاثون عاماً على بعضهم لم يأتوا في خلالها الى لبنان، شعرت انهم متشوقون ومتعطشون لرؤية لبنان، وعلينا ان نحافظ على الارتباط مع الشاب الموجود في الخارج، عن طريق ضمان مشاركته في الحياة السياسية مثلاً والحياة الاجتماعية والوطنية، ومساعدته على الاحتفاظ بمنزل له في موطنه. حين تتأمن هذه الشروط يزول الخوف وتتحسن فرص السياسة والاقتصاد وغيرها. طبعاً التأخير في تأليف الحكومة اعطى اشارة سيئة، لكن الفرصة لا تزال سانحة. بلدنا جاهز لاستثمارات عظيمة، وهذه الاستثمارات ستعيد اللبنانيين. كيف؟ غالبية الشركات الكبرى تعتمد اليوم سياسة تنقل موظفيها من بلد الى آخر ليتعرفوا على الاسواق الاخرى وعلى العقليات السائدة في مختلف هذه البلاد ولدى شعوبها. اللبناني يمتلك هذه الثقافة منذ ولادته، لديه انفتاح على كل الاذواق وكل العادات وكل الاشخاص. حين تريد هذه الشركات التمركز في لبنان، سوف تحتاج اليهم، وهم اصلاً جزء مهم منها. انا رأيت اللبنانيين في مختلف بلاد العالم، ويكاد لا يوجد مكان لا لبنانيين فيه: في الادارة والقضاء والسياسة والعسكر والتجارة، حتى في الفضاء يوجد لبنانيون. وهذا امر يثير التعجب لأن العالم اصبح قرية واحدة. سوف يأتي اللبنانيون الى لبنان ويحضر معهم الآخرون.
*المشاكل اليومية التي يواجهها اللبنانيون عديدة بينها ازدحام السير وصفقات الاشغال العامة التي يتحدث عنها وزير الاشغال، كيف السبيل الى تحسين الحياة اليومية العادية للبنانيين؟
هنالك اهتراء في مؤسسات الدولة، ومن واجبنا ان نصلحها لكي نصلح شؤون الناس. ماذا نفعل؟ هل نصاب بخيبة امل؟ هذا غير مسموح. قلت لكم عليكم انتم ان تغيروا البلد. لبنان لا يقوم الا على ايدي شبابه. قد تكون الدولة لم تنجز الكثير من الاشياء لكنها اعطت القليل من الثقة. انظروا كيف تحسن الوضع وتحرك. قد يكون من اسباب ازدحام السير بداية تحريك الوضع الاقتصادي. لا شك انه ينقصنا الكثير من البنى التحتية وبعضها يحتاج الى اعادة تاهيل، وقد ظهر الامر بصورة جلية في خلال الصيف الماضي مع كثرة عدد السواح والمغتربين في البلد. تنقصنا مؤسسات، تنقصنا كهرباء وغيرها من الامور. بالنسبة الى الكهرباء بعد عام ونيف لم نستطع ان ننجز شيئاً في هذا المجال. لو انجزنا 20% لكان ذلك افضل من لا شيء، لكننا لم نستطع ان ننجز شيئاً في ملف الكهرباء بسبب الخلافات السياسية. علينا ان نضع مصلحة الوطن نصب اعيننا. وانا من الناس الذين يسعون دائماً الى هذا الموضوع، ويوجد غيري، طبعاً لست وحدي.
*اين اصبح ملف التنقيب عن النفط في المياه الاقليمية اللبنانية، وهل صحيح ان هناك تجاذباً بين الدول حول الاتفاقيات وحدود المياه اللبنانية والسورية والقبرصية...؟
لدينا دائماً ميل الى توجيه اللوم الى احد ما، في حين ان المطلوب هو ان نعمل نحن. علينا ان نقرّ قانون النفط في بادئ الامر. قد يكون احدهم مخطئاً في حقنا ولكن علينا ان ننجز واجباتنا اولاً قبل توجيه اللوم اليه، فلنقرر ما نريد ان نفعله في ملف النفط ولنسع َ الى جذب الشركات التي تنقب عنه. هذا الملف له قوانينه وقواعده، وحتى الآن لم نستطع انجاز القانون بسبب التجاذبات السياسية الداخلية. مشروع القانون اصبح جاهزاً لكنه بحاجة الى الاحالة من مجلس الوزراء الى مجلس النواب ليتم اقراره. كان يجب ان يحال في السابق لكن التجاذب السياسي ادى الى اهماله على حساب ملفات اخرى.
*سيشارك لبنان في كانون الاول في مؤتمر حول الاحتباس الحراري في كوبنهاغن فما هي التصورات التي سيطرحها الوفد اللبناني؟
يؤثر الاحتباس الحراري على كل الدول ولا سيما الدول الصناعية الكبرى حيث الوضع خطير جداً.نحن سنشارك في المناقشات ونقدم الاقتراحات خصوصاً في مسألة الطاقة البديلة، اي توليد الطاقة من خلال وسائل انتاج الطاقة النظيفة، وفي هذا المجال لدينا كثير من العمل لننجزه، لكن علينا ان نرى المعايير التي سيتم اقرارها في المؤتمر والمساعدات التي يمكننا الحصول عليها من الدول التي يهمها هذا الموضوع والتي هي الاكثر عرضة للضرر والخطر.
*ما هي الاستراتيجية التي سيعتمدها لبنان بعد انضمامه الى مجلس الامن كعضو غير دائم؟
اشتراكنا في مجلس الامن فرصة مهمة، علينا ان نستفيد منها للدفاع عن بلدنا. اول همّ لدينا هو الدفاع عن بلدنا وتأمين مصلحة شعبنا، ثانياً، نحن نمثل جامعة الدول العربية، وعلينا نقل وجهة نظرها الى مجلس الامن، والامر الثالث هو الخير العام، خير الانسانية، لذلك على الموضوع المطروح (امام مجلس الامن) ان يخضع لهذه المعايير الثلاثة مهما كانت ماهيته، وسيكون لنا موقف من اي امر يحصل.
*هل يمكن ان يساهم وجود لبنان في مجلس الامن في تحصيل حقوقه، في مسألة ترسيم الحدود مثلاً؟
لا شك ان وجودنا في مجلس الامن فرصة لتحصيل حقوقنا، مثلاً مع اسرائيل وفي مسألة توطين الفلسطينيين. من الضروري ان نكون حاضرين في المجلس في العامين المقبلين، وقد عززنا فريقنا في نيويورك، واضفنا الى افراد بعثتنا في الامم المتحدة عدداً من ذوي الخبرة ليستطيعوا مواكبة المستجدات كما ينبغي.
*هل من كلمة تتوجهون بها فخامة الرئيس الى الشباب؟
اريد ان اؤكد على امرين: الاول هو ان شباب لبنان برهن عن قدرته في مجالات عدة، وانا اعطي هنا مثال الجيش والمقاومة. الجيش اللبناني مؤلف من شباب حفظوا وحدة لبنان وآمنوا بالوحدة الوطنية، ظلوا مؤمنين بالتعايش وانجزوا كل المهمات. والشباب اللبناني قاوم العدو الاسرائيلي وحده. انظروا الى الدول العربية، من منها قاوم العدو الاسرائيلي كما فعلنا؟ الشباب اللبناني نظم نفسه، المقاومة عديدة ولست اتكلم عنها حصراً في الوقت الراهن. الشباب اللبناني استطاع ايضاً بناء مؤسسات كبيرة وانجاز اكتشافات علمية في لبنان والخارج، ما الذي ينقصه اذاً ليصلح لبنان؟ مشكلته تتلخص في انه يدخل عالم السياسة فيلتزم التقليديين. انا اقول لكم ان المسألة بحاجة الى قوة، وتحرك، وانتفاض. لا نريد التسليم حتى لأهلنا في بعض الاحيان، نسلّم لهم في التربية ولكن ليس في السياسة. يجب الا نتبع رغبة والدنا السياسية، نسلم له في التربية حتى لو اصبح عمرنا مئة عام لكن ليس في السياسة. انا لا افرح كثيراً حين يوافق اولادي على ما اقوله، افرح حين يكون رأيهم مغايراً لرايي، لكنني افرح ايضاً حين يلتزمون المبادئ التربوية والخلقية.
اما الامر الثاني الذي اريد ان اشدد عليه فهو الاعلام. انتم طلاب في مجال الاعلام، والاعلام مسؤولية كبيرة. انا اقول فقط:
"انما الامم الاخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت اخلاقهم ذهبوا".
الاعلام قبل كل شيء اخلاق، وعلى الذي يريد ان يكتب ان يعرف من هو الجمهور الذي سيتأذى من كتاباته، كما على الذي يريد ان يعرض فيلماً على شاشة التلفزيون ان يعرف من سيتأذى من مشاهدة هذا الفيلم، وعلى الزعيم الذي يخطب في الناس ان يعرف مدى الاذى المحتمل الموجود في كلامه. كلما كان نفوذ هذا الزعيم كبيراً، كلما كان تأثير كلامه كبيراً، اي انه يمكن ان يؤذي شريحة اكبر من الناس. انتم حين تعرفون ان فلاناً سيتكلم، سواء كان قائداً او زعيماً او رئيس حزب، ستصغون اليه سواء احببتموه او لم تفعلوا، وهو سيؤذيكم سواء بالتحريض ان كان كلامه محرضاً، او بالحقد عليه ان كان كلامه مخالفاً لرأيكم واهوائكم. اعني بكلامي هنا ان على كل من اتيح له منبر اعلامي لعرض رأيه ان يحرص على ان يكون كلامه موزوناً لأن كل تحريض يمكن ان يترك اثراً سلبياً لدى الناس.
الامر نفسه ينطبق على الاعلاميين، كلمتهم تترك اثراً سلبياً اذا كانت غير صحيحة، وعليهم بالتالي الا يكتبوها. من حقهم الاضاءة على بعض المواضيع، لكن عليهم عدم اختلاق هذه المواضيع وعدم التشهير بالرموز خصوصاً عندما لا يكون لديها شيء يستحق التشهير. هذه مسؤوليتكم كشباب و كإعلاميين في الوقت ذاته.
الوجه الانساني
*ماذا عن الوجه الانساني لميشال سليمان. مهامكم كبيرة كرئيس للجمهورية، هل يبقى هناك مجال لحياتكم الخاصة؟ حضرتكم رئيس توافقي، هل انتم في العائلة شخص توافقي كذلك ام ان التربية العسكرية لها تأثيرها؟
في الواقع هذه نظرة خاطئة الى العسكريين، الحياة العائلية للعسكري او بالاحرى ابوته العائلية كبيرة، خصوصاً انه لا يرى اولاده وعائلته بشكل طبيعي مستمر. انا مثلاً من الاشخاص الذين كانوا ينتمون الى القطاع المقاتل في الجيش، كنت انام خارج البيت. لذلك حين تأتي الى بيتك تكون عاطفتك متكاملة، والحمد لله ان حياتي العائلية مؤمنة رغم كل المشاغل، حتى هنا في القصر حيث انني "مزروب"، بيتي في الاعلى ومكتبي في الاسفل. حينما اذهب للغداء او للعشاء، ارى عائلتي وامضي الوقت معها ويأتون لزيارتي جميعاً.
*هل تغيرت يوميات فخامتك بين قيادة الجيش والرئاسة؟
تغيرت بشكل كبير، كنت اذهب الى بيتي في سيارتي، الآن اذهب الى بيتي في المصعد (يضحك).
*هل من وقت متوفر لديكم لممارسة بعض الهوايات كالرياضة مثلاً؟
في السنة الاولى من الرئاسة، لم امارس الرياضة، وفي الاشهر الستة الاخيرة من خدمتي العسكرية، لم امارسها ايضاً، وقد عدت الى ممارستها في محيط القصر الرئاسي منذ حوالي ثلاثة او اربعة اشهر.
*ماذا عن مطالعات فخامتكم؟ هل تقرأون مثلاً الجرائد يومياً؟
انا من الذين يهوون المطالعة كثيراً، لكن الهم السياسي يأخذني من الثقافة المدنية. هناك كتب اعجبتني منذ شهور، وانا اضعها الى جانبي دائماً، لكنني لا اقرأ سوى صفحتين بالكاد منها بسبب اضطراري لمتابعة الامور السياسية، لكنني دائماً احب الاطلاع على الامور غير السياسية، حت ولو كانت في حدود الثلاث اوالاربع صفحات يومياً.
قراءات الرئيس
الكتب الثلاثة التي اتى رئيس الجمهورية على ذكرها في حديثه هي:
1. مزرعة الحيوانات: the animal farm , la ferme des animaux
هي رواية ل «جورج اورويل» "Georges Orwell"، نشرت في العام 1945 لكن ترجمتها باللغة الفرنسية لم تظهر الا في العام 1947.وهي تصف مزرعة تثور فيها الحيوانات على معلمها، ثم تتولى السلطة، وتطرد بني البشر من المزرعة بعد ان اساءوا معاملتها.
اشار اورويل في هذا الكتاب بأسلوب نقدي واضح وصريح الى الانظمة التوتاليتارية، لا سيما في شكلها الستاليني.
2. من سرق قطعة الجبن الخاصة بي؟ Qui a piqué mon fromage? Who Moved my cheese
يتبادر عالم الطفولة الى ذهننا فور قراءتنا هذا العنوان، لكنها ليست قصة للأطفال. هذا العمل، الذي حقق المرتبة الاولى لأشهر في مبيعات الكتب في الولايات المتحدة الاميركية، والذي تمت ترجمته لثماني عشرة لغة، هو كتاب في الادارة. وقد جعل منه المديرون العامون كما الشركات الكبرى دواء معجزة للموظفين المرهقين، كما وصفه الاطباء لمرضاهم.
في ظل هذا العنوان الظريف، تختبئ قصة عن عالمنا الحالي: عالم في تغيّر دائم. وبالنسبة لكاتبه سبنسر جونسون Spencer Johnson، فإن مسألة فهم حتمية التغيير والتأقلم معه هي مفتاح السعادة. والمقاربة سهلة: يتناول الكاتب قصة فارتين وقزمين في متاهة، وقد اختفت قطعة الجبن الخاصة بهم. كيف سيتصرفون في مواجهة هذه المشكلة حتى يجدوا قطعة الجبن الرمزية هذه (المكانة في المؤسسة، في العائلة ، في المجتمع...) ؟
تهدف هذه القصة الى تدريبنا على اشكاليات الادارة والتغيير، في العمل، في العائلة، وفي الحب، والى طرد مخاوفنا واحكامنا المسبقة لنواجه التغيير ونتاقلم معه بشجاعة، على الصعيد المهني كما على الصعيد الشخصي.
3. الامير Le prince , the prince
«الامير» هو كتاب لـ «نيكولاس ماكيافل« "Nicolas Machiavel"، رجل سياسي وكاتب من فلورنسا. يحتمل المؤرخون ان كتابته تمت في العام 1513، لكنه لم يصدر الا في العام 1532، اي بعد خمسة اعوام على موت مؤلفه.
يهدف هذا الكتاب، الذي انجز في فترة كانت ايطاليا مقسمة فيها الى امارات، الى عرض فن وطرائق الحكم مع التلاعب بمهارة بمزاجية الشعب والكبار، من خلال سياسة تجيد استخدام القانون، القوة والدهاء في آن معاً.
اتُهِمَ كتاب «الامير» باللا اخلاقية ، مما ادى الى خلق مصطلح «الماكيافيلية» " Le machiavélisme" وربطها بهذا المعنى. مع انه تمت الاشادة بمؤلفه ككتاب رائد في مجال السياسة، ومن الذين اشادوا به « جان جاك روسو « "Jean-Jacques Rousseau" الذي جعل منه « كتاب الجمهوريين».
تم تداول هذا الكتاب رسمياً في 30 كانون الاول 1559، لكن تجدر الاشارة الى ان الرقابة منعته في ايطاليا منذ العام 1564، مع اعمال ماكيافل الاخرى.