أبحث
79- كلمة الرئيس سليمان لمناسبة الذكرى السادسة والستين للإستقلال 21-11-2009
أيّها اللبنانيون،
استقلال لبنان مسيرة نضال طويل ساهم فيها اللبنانيّون على درب الحريّة. ولأنّ الثقة والارادة بين اللبنانيّين هما أساس عيشهم المشترك في وطن قائم على الحريّة؛ ولأنّ جذوره الحضاريّة ضاربة في عمق هذا الشرق ، تعززت أواصر العلاقات بين العائلات اللبنانيّة على تنوّعها الديني والثقافي.
استقلالنا الوطني ليس مجرّد محطة من الماضي، إنما هو فعل إيمان بالحوار، وبالعيش المشترك والتطلّع إلى دولة القانون والمؤسسات التي نريد. إنّها دولة الاستقلال، التي بدأت ترسّخ مسيرتها بسواعد شبابها الذين حرّروا أرض الوطن وقاوموا العدو الإسرائيلي وتصدوا للإرهاب وهزموه. خلال سنة ونصف السنة توطدت الثقة بين اللبنانيّين على الرغم من مجمل التحديات الضاغطة. وها نحن نتابع مسيرة ترسيخ الأمن الوطني. وبموازاة ذلك، فقد تمكّن لبنان من استعادة موقعه ومكانته ودوره على الساحة الدوليّة، وتعزيز علاقاته مع الدول على أعلى المستويات، على قاعدة المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل. تخطو العلاقات اللبنانيّة – السوريّة إلى الأمام ، بعد وضعها على مسارها الثابت والصحيح، وبعد إنجاز الخطوة التاريخيّة المتمثّلة بإرساء العلاقات الدبلوماسيّة الكاملة بين البلدين. ونريد للعلاقات المتناميّة بين لبنان وسوريا وسائر الدول العربية أن تتطوّر في المجالات كافة؛ ليس فقط على الصعيدين الرسمي والحكومي، بل كذلك على الصعيد الأهلي وبين مختلف القطاعات الإنتاجيّة وصولاً إلى حالة من التعاون الاقتصادي والاجتماعي الأمثل. وكترجمة للثقة التي تمكّن لبنان من بلورتها وإرسائها على الصعيد الدولي، فقد تمّ انتخابه، بما يشبه الإجماع، للعضويّة غير الدائمة لمجلس الأمن الدولي. ومن أرفع هيئة أمميّة، سيتمكن لبنان من العمل، بصورة أفضل، على حماية مصالحه الوطنيّة والدفاع عن قضايا العرب المحقّة و المشاركة في البحث عن حلول سلمية وعادلة للمشاكل والنزاعات المطروحة على الساحة الدولية. وفي طليعة هذه القضايا قضيّة فلسطين والقدس، وحقّ العودة للاجئين الفلسطينيين، ومواجهة العدوانيّة العنصريّة التي دانها تقرير "غولدستون" في الأمم المتحدة. ومن اجل منع أي شكل من أشكال التوطين ينبغي وضع خطة عملية تضمن ذلك، بالإضافة الى تنقية العلاقات اللبنانية الفلسطينية من الشوائب التي اعترت صفاءها، وتنفيذ مقررات مؤتمر الحوار اللبناني المتعلقة بمعالجة السلاح الفلسطيني إلى جانب المسائل الحياتية. ومع انتظام علاقاته الدولية واستعادة دوره إقليمياً ودولياً، أخذ لبنان يستعيد مركزه المالي على الرغم من وطأة الأزمة الماليّة والاقتصاديّة العالميّة. ووفد المغتربون بشكلٍ غير مسبوق إلى وطنهم، لا مجرّد سيّاح وحسب، وإنما مودعين ومستثمرين ومساهمين في نهضة مجتمعهم الوطني. هؤلاء الروّاد الذين تتناهى إلى مسامعنا ابداعاتهم اليوميّة في مختلف الميادين، يحدوهم الأمل ببناء الدولة الحديثة انطلاقاً من الثقة المتجددة بين اللبنانيين في عيشهم المشترك، وفي توطيد السلم الأهلي وقد قطعنا خطوات ثابتة واكيدة في هذا المجال بفضل تضحيات القوى الأمنية، التي نسعى الى تنمية قدراتها وعلى رأسها الجيش الذي يسهر أيضاً مع القوات الدولية الموقتة في الجنوب على صون السيادة الوطنية. وعُقدت في ربوعنا عشرات المهرجانات والمؤتمرات العربيّة والدوليّة ذات الطابع العلمي والاقتصادي والثقافي والرياضي، مثريةً مساحة الفكر والبحث والإبداع.
أيّها اللبنانيون، دولة المؤسسات هي التي تحمي الاستقلال وتدافع عن الحريات العامة والخاصة، وتزيد من تعلق اللبنانيين بمجتمعهم الوطني. ولا بدّ في هذا المجال من الشروع في بناء مؤسسات الدولة وفق رؤية جديدة قائمة على الحداثة والانفتاح وصون حقوق المواطنين. لقد سبق أن أشرت في كلمتي إليكم العام الماضي، إلى أنّ فلسفة الكيان اللبناني قائمة على التوافق، وأنّ الاعتدال في لبنان شكل من أشكال البطولة، بعدما عانى، طيلة عقود، من آفات التطرّف والاقتتال والتدمير والتهجير. إن الإصلاح الشامل يجب ان يستند على نهج الشجاعة في قول الحقّ والمساءلة والمحاسبة، وعلى نهج الحوار والحكمة والاعتدال انطلاقاً من روح الميثاق الوطني في مقاربة قضايانا الداخليّة الشائكة، على قاعدة المصلحة الوطنيّة العليا والخير العام. ونحن ما زلنا نعمل في ضوء التوجّه الذي رسمناه في خطاب القسم. ونرى المدخل الصحيح لبناء دولة القانون والمؤسسات في بناء دولة الإنسان اللبناني، بعدما ساهم أجدادنا في صوغ حياتنا وقيمنا المشتركة، ووطدوا العمران في ربوعنا، وتمسّكوا بقيم الدفاع عن الأرض والتكافل الاجتماعي بين اللبنانيين، والانفتاح على العالم وحماية التنوّع الثقافي لنؤكد ان لبنان أكثر من وطن، لبنان رسالة. إننا نتطلع الى مشروع استقلال السلطة القضائيّة تكريساً للعدالة وتوفيراً للإنتظام العام. ونعلّق آمالاً إصلاحيّة على تطبيق مشروع اللامركزيّة الإداريّة الموسّعة، وتعزيز دور البلديات في هذا المجال وفي تحقيق الإنماء المتوازن للمناطق. كما نعتبر حماية البيئة الطبيعيّة وتطوير الصناعة السياحيّة، والقطاعات الانتاجية من أولويات أي مشروع إصلاحي. وهذا يتطلب قبل زيادة الايرادات تشكيل هيئة مكافحة الفساد، ومنع الهدر وترشيد الانفاق بهدف معالجة الدين العام.
أيّها اللبنانيون، إن أيّ إصلاح أو تطوير يجب أن يخدم هدفنا في بناء الدولة وبغية الحفاظ على المشاركة الكاملة بما لا يناقض ميثاق العيش المشترك، نعم ايها اللبنانيون، بما لا يناقض ميثاق العيش المشترك الذي يسبغ الفرادة على نظامنا، تبرز الحاجة الى تشكيل هيئة وطنية لإلغاء الطائفية السياسية، وتطوير قانون الانتخابات النيابية لإنتاج التمثيل الأفضل، وإعادة الحقوق للمغتربين بما فيها حق الجنسية والانتخاب. ونحن إذا كنا قد أكدنا على ذلك وعلى تحقيق التوازن المطلوب بين الصلاحيات والمسؤوليات، تمكيناً للمؤسسات، بما فيها رئاسة الجمهورية من تأدية دورها الوطني فإننا نؤكد ان الشرط الضروري لإنجاز هذه الاهداف هو التوافق طبقاً لنص وروح الدستور بعيداً عن المحاصصة، وتوزيع المسؤوليات وليس تنازع الصلاحيات. ولا يستقيم هذا التوجه من دون معالجة الثغرات التي ظهرت في عمل السلطات الدستورية بعد مضيّ عقدين على اعتماد اتفاق الطائف ميثاقاً وطنياً، هو بمثابة العقد الاجتماعي بين اللبنانيين، والذي لا بدّ لنا من المضيّ في السعي لتطبيق كامل بنوده. وبعدما نجحنا في تشكيل حكومة الوحدة الوطنيّة، نتطلّع إلى دور مأمول لها في تحقيق ورشة الإصلاح، وحلّ المشكلات المتراكمة للمواطنين. كما يمكن لهيئة الحوار الوطني، التي ستلتئم قريباً، إيجاد المناخات المناسبة للمضيّ قدماً في هذا التوجّه الإصلاحي. هيئة الحوار هذه، لن تكون سلطة جديدة منافسة أو موازيّة للسلطة التنفيذيّة، وهي لا تنوب عنها بالتأكيد، ولا تتعارض مع عملها ومبادراتها. بل يمكنها أن تعمل كإطار وطني جامع، لتعزيز المناقشة الهادئة والحوار، ومواكبة السلطات الشرعيّة بإيجاد المناخ الملائم لتمكينها من الاضطلاع بدورها والمسؤوليات الموكولة إليها بموجب الدستور. يحتاج أي مشروع إصلاحيّ لإرادة وطنيّة جامعة نابعة من قيم الاستقلال. ولقد نجحت هذه الإرادة في التصدّي للعدوان الإسرائيلي وتحرير معظم الأرض ومواجهة ظاهرة الإرهاب، وأظهرت جدارة لبنان على امتلاك عناصر القوّة والقدرة، وتثبيت نفسه بين الأمم، كوطن منيع السياج. محتفظاً بحقه في المقاومة لاسترجاع ما تبقى من اراضيه المحتلة في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء الشمالي من قرية الغجر بكافة الوسائل المشروعة والقدرات المتاحة. لذا، فنحن مدعوون اليوم، انطلاقاً من هذا النجاح، لإعادة بناء الثقة بأنفسنا وبطاقات شبابنا وبمستقبلنا، وبقدرتنا على التأقلم والتطوّر واجتراح الحلول من ضمن الثوابت الوطنية.
أيّها اللبنانيون، إذا كان العالم يتطلع إلى لبنان نظراً لصيغته المميزة، فإنّ التحدّي أمامنا هو في إنجاح هذه الصيغة انسجاماً مع روح الاستقلال، وصيغة العيش المشترك في إطار حضاري تشهد له الإنسانيّة. أدعو الارادات الخيّرة إلى التلاقي من أجل عزّة الوطن وبناء الدولة العصريّة بكل ما فيها من قيم وقدرات خلاّقة وديناميّة يختزنها مجتمعنا الأهلي. هو عَهدٌ وشرف والتزام، يفرضه الواجب وحبّ الوطن على كلّ واحد منا. عشتم عاش لبنان.
|