شدد رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان على أن طاولة الحوار لا تنوب عن السلطة التنفيذية، إلا انها فرصة نادرة للتحاور ولها في نظامنا اللبناني فوائد كبرى.
وجدد مطالبته بضرورة إصلاح الثغرات الدستورية، والتوازن بين المسؤوليات والصلاحيات لتمكين السلطات بما فيها رئاسة الجمهورية من ممارسة دورها. وإذ أشار الى أن التحدي الآن هو أن نبقى قادرين على تطبيق الديموقراطية التي تنص على المساءلة والمحاسبة في ظل حكومة كتلك الموجودة اليوم، فإنه أكد أن الاعلام لا يقصّر أبداً في المساءلة والمحاسبة كاشفاً عن تنظيم ورشات للإعلام بهدف تحسينه.
ورفض الرئيس سليمان تسمية اللقاءات التي تجرى في قصر بعبدا بين عدد من الافرقاء بـ"مصالحات" بل اعتبرها "لقاءات للحوار"، وللبحث على طاولة واحدة، معاً، عن هموم اللبنانيين ورؤيتهم لكل المواضيع المطروحة، مشدداً على ضرورة استمرارها لكي يجد كل أحد على أي درجة من الالتقاء هو مع الآخر.
وأكد على ضرورة ايجاد المناخ المناسب والجو الملائم لتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، على أن يتم ذلك ضمن روح الميثاق الوطني، وعدم مخالفة البند "ي" من مقدمة الدستور.
ولفت رئيس الجمهورية الى أن أجواء عمل لجنة صياغة البيان الوزاري لا توحي بالخلافات، مشيراً الى أن هناك توافقاً على اعتماد الصيغة التي وجدت في بيان الحكومة السابقة بخصوص موضوع المقاومة. واذ أكد وجود نية سورية لترسيم الحدود مع لبنان، فإنه شدد على التفاهم الكبير بين الموقفين اللبناني والسوري.
كلام الرئيس سليمان جاء في خلال حوار أجراه مع الجسم الاعلامي اللبناني عقب توجيه رسالة الى اللبنانيين لمناسبة الذكرى الـ 66 للإستقلال في حضور مجلسي نقابتي الصحافة والمحررين، رابطة خريجي كلية الاعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية، نادي الصحافة، المجلس الوطني للإعلام والاعلاميين المعتمدين في القصر الجمهوري.
وفي ما يلي وقائع اللقاء:
كلمة نقيب الصحافة
بداية تحدث نقيب الصحافة الاستاذ محمد البعلبكي فقال :"فخامة الرئيس، لا بد أن نتوجه اليكم في مناسبة عيد الاستقلال بالتهنئة الحارة، بإسم الرأي العام اللبناني كله، الذي يمثله الاعلام اللبناني كافة، والصحافة اللبنانية بشكل خاص. لقد إستمعنا الى كلمة فخامتكم، وكانت هذه هي المرة الاولى التي تذاع فيها كلمة لرئيس جمهورية لبنان في حضور هذا الحشد الاعلامي. إنها مبادرة كبيرة تشير الى مدى إحترام فخامتكم للصحافة اللبنانية خاصة، والاعلام اللبناني عامة، بل تتجاوز ذلك الى حرص فخامتكم على الاتصال المستمر بالرأي العام اللبناني.
إن كلمة فخامتكم تنير السبيل لكل سلطة تنفيذية في لبنان إن شاءت، أن تحقق شيئاً من الاصلاح، فالشكر لكم، فخامة الرئيس.
عشتم وعاش لبنان".
نقيب المحررين
بعدها ألقى نقيب المحررين ملحم كرم الكلمة الآتية:
"تمنيت لو يخطئ، واحببت لو يسيء ورحت أحث الصعوبة على فخامته، فينكفئ ويتاح لي أن أقول فيه غير المحبة وغير الاعجاب. إلا أنه كلما تكشّف عن إساءة تشاغل عنها الى سماح. من عرفه معرفتي به ما تهيّب أمام الخلق والنبل والقيادة أي مهّيب مهما عظمت حقيقته. يظل عمقه أعظم. عرفته مناقشاً بجدل دولي، فالحجة شهباء والبيّنات نواهض. أنه المعلم، كذا دعوناه.
فخامة الرئيس، نحن هنا، أخواني وأنا، في سعادة قصوى. فنحن نسمعك تتكلم من العمق وفي العمق لتقول كلاماً، كل اللبنانيين بحاجة الى سماعه، وقد أعطيتهم ما يريدون وما إليه يحتاجون، لتظل الكلمة هي الغرض والغاية من كل ما يمر به لبنان وما يحتاج اليه هذا الوطن الذي أنيطت بفخامتكم قيادته لتظلوا في الموقف الحرج، موقف النبل والقيادة والارجحية.
وفقكم الله، وكلنا الى جانبكم".
ثم دار بين الاعلاميين الحاضرين، والرئيس سليمان الحوار الآتي:
أهمية طاولة الحوار
سئل: هناك رأي لدى بعض القيادات والشخصيات السياسية مفاده أن لا حاجة بعد اليوم لهيئة الحوار الوطني، طالما أن هناك حكومة وحدة وطنية تجمع سائر الاطراف والاضداد، حيث أن المكان الانسب للحوار بات في مجلس الوزراء، فما رأيكم بذلك؟
أجاب: "من الناحية الدستورية، شددت على أن طاولة الحوار لا تنوب عن السلطة التنفيذية، ولكن في نظامنا اللبناني لطاولة الحوار فوائد كبرى للغاية، وهي استطاعت أن تغطي فترة زمنية هامة جرت فيها تطورات كثيرة، تمكنت من مواكبتها. إنها فرصة نادرة للحوار بين جميع الافرقاء".
التعديلات وتطبيق الطائف
سئل:استمعنا بكل شغف الى كلمتكم الرائعة التي تحدثتم فيها الى اللبنانيين في هذه المناسبة الكبرى، وتناولتم كل جوانب القضايا اللبنانية والدولية، وكل ما يهم الشعب اللبناني. ولكن، لفتني في هذه الكلمة أنكم أغفلتم ما كنتم طالبتم به اكثر من مرة بضرورة تعديل الدستور لإعادة بعض الصلاحيات الى رئيس الجمهورية، وأراني تطالبون اليوم بتطبيق ما تبقى من إتفاق الطائف، كإنشاء اللجنة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، وقانون للإنتخابات، واللامركزية الادارية... وهذا ما أعلنه قبل أيام رئيس مجلس النواب من أنه سيحوّل المجلس الى ورشة لتطبيق ما لم ينفذ حتى الآن من اتفاق الطائف.
أجاب: ربما لم تنتبه جيداً الى موضوع الاصلاحات التي طالبت بها. هي نفسها ما كنت أطالب به: الثغرات الدستورية والتوازن بين المسؤوليات والصلاحيات لتمكين السلطات بما فيها رئاسة الجمهورية من ممارسة دورها. هذا ما قلته حرفيا في كلمتي. وربما اللهجة لم تلفت إنتباهك.
أما في ما يتعلق بإنشاء هيئة إلغاء الطائفية السياسية، فليست هي المرة الاولى التي أتكلم عنها في هذا الموضوع، وليست هي المرة الاولى التي اتكلم فيها ايضاً عن اكمال تنفيذ إتفاق الطائف. قلت ذلك في عيد الجيش، وفي مناسبات عدة. وأنا عندما أنادي بتشكيل هيئة وطنية لإلغاء الطائفية السياسية، فإنني أؤكد، وقد اكدت ذلك سابقاً، بضرورة أن يتم ذلك ضمن روح الميثاق الوطني، أي أننا لن نخالف البند "ي" في مقدمة الدستور الذي نص على أنه لا شرعية، سواء كانت مجلس الشيوخ أو المجلس النيابي أو رئاسة جمهورية.. إذا كانت تناقض ميثاق العيش المشترك. فلنقترب من هذه الهيئة ونناقش الموضوع على قاعدة عدم مناقضة ميثاق العيش المشترك، الذي يتوج الدستور بالبند "ي" وهو ملزم في كل البنود".
دور الاعلام والمحاسبة
سئل: سؤال توضيحي، ففي كلمتكم اليوم ذكرتم تعبير "الدولة العصرية" ومنذ فترة سمعناكم تنادون "بالدولة المدنية الحديثة"، هل هذا التغيير مقصود أم أنه فقط تفسير للمعنى؟
أجاب: "هو فقط تفسير، وهذه التعابير تتلاقى مع بعضها البعض".
سئل: بعدما قررتم أن تجلس كل القوى السياسية داخل السلطة، لم يبق ربما إلا الاعلام ليكون له دور معارض...
أجاب: "وهذا ما يجري اليوم".
سئل: لكن إذا اختصرت هذه المساحة للمحاسبة، فإنني أسأل هل أنه من خلال هذه الحكومة ستلغى المحاسبة عند المؤسسات العاملة وهل سينتهي دور المؤسسات في ظل وجود كل القوى داخل السلطة، وإذا كان الاعلام هو المساحة الباقية للمحاسبة والمعارضة، فإننا لا نسمع في كل الخطاب الرسمي أي كلام عن ضرورة تطوير القوانين المتعلقة بالاعلام لتوسيع نطاق حريته، وضمان أهله ودوره؟
أجاب: "الحقيقة، هذا هو التحدي الآن. أن نبقى قادرين على تطبيق الديموقراطية التي تنص على المساءلة والمحاسبة في ظل حكومة كتلك الموجودة اليوم. فإذا استطاع المجلس النيابي والحكومة إنتاج هذه المساءلة يكون الامر جيداً. وإذا، لا، فالاعلام لا يقصّر أبداً في المساءلة والمحاسبة، وصوتكم قوي، لا بل أقوى من كل الدول المحيطة بنا. وهذا أمر مهم للغاية.
وهناك أيضاً، المجتمع الاهلي الناشط اليوم في لبنان وباستطاعته المساءلة.
وأنا لا أعتقد أن أي مسؤول إذا قيل عنه أمر لا يخجل أو لا يتكلم ليل نهار بما كتب عنه، فسواء كان الامر صحيحاً أو خاطئاً، فهو يؤثر عليه. وإنطلاقاً من هنا أعتقد أن المساءلة والمحاسبة مستمرتان لأن لدى اللبناني من الديموقراطية الامر الكبير وهو ليس بحاجة فقط الى حكومة لتمثيل الديموقراطية، فهو ديموقراطي بطبعه. أما تطوير الاعلام، فهو ضروري وواجب، وهذا ما نسعى اليه، بكل جدية، ونحن بصدد تنظيم ورشات للإعلام بهدف تحسينه. وأنا أستطيع الاتكال على الاعلاميين لكي يظهروا مطالبهم ورؤياهم المتجردة لتطوير الإعلام في لبنان".
المصالحات
سئل: شهد قصر بعبدا في الاسبوع الفائت مصالحة بين النائبين وليد جنبلاط وسليمان فرنجية، هل هذه المصالحات ستستمر بسرعة أكبر، حتى تشمل كل المتخاصمين السياسيين والفرقاء والاحزاب من اللبنانيين؟ هذه خطوات مباركة يهنئكم عليها الشعب اللبناني وعلى بالكم الطويل في التمكن من تحقيقها.
أجاب: "لا بأس اذا كنتم تسمون هذه اللقاءات مصالحات. ولكنني لم أضعها في هذا الاطار أبداً. هذه لقاءات للحوار. وتعلمون قبل ذلك أنه حصل لقاء بين رئيس الحكومة السيد سعد الحريري ودولة الرئيس العماد ميشال عون. لم يكونا متخاصمين، لا بل على العكس لقد سبق والتقيا قبل نحو اسبوع من ذلك للمشاورات النيابية وعادا والتقيا هنا للحوار.
هي اذاً لقاءات للحوار وللبحث على طاولة واحدة، معاً، عن هموم اللبنانيين ورؤيتهم لكل المواضيع المطروحة، التي نعرفها جميعاً ونسمعها. لقد كان من المفروض أن نجري هكذا لقاءات، وسنستمر. أنا لم أسمّها مصالحة أبداً، قلت لهم سنجلس لنتكلم معاً ونتشاور في المواضيع المطروحة. ونرى أين يوجد كل أحد وعلى أي درجة من الالتقاء هو مع الآخر".
إلغاء الطائفية السياسية
سئل: ليست هي المرة الاولى التي يطرح فيها تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية. لقد طرح الامر أكثر من مرة، وكان باستمرار يواجه بموجة رفض معروفة خلفياتها وأهدافها. هل تعتقدون أن الظرف الآن مناسب للمضي في هذه الخطوة؟ وعلى الاقل قد نصل الى إلغاء الطائفية بعد نحو خمسين سنة، ولكن المهم أن نبدأ الخطوة الاولى، فهل الجو مناسب؟
أجاب: "علينا إيجاد المناخ المناسب والجو الملائم. ولكن في كل مرة تطرح فيها القضايا بطريقة أنها ستأخذ من إحدى الطوائف، فإنها تخلق هلعاً. لذلك أنا قلت وأكدت: "نعم أنا اؤكد للبنانيين أنها لا تناقض المشاركة الكاملة ولا تناقض ميثاق العيش المشترك. علينا ان نجد قواعد إنتخابية تلغي الاصطفاف المذهبي والطائفي ولكن لا تلغي المشاركة الكاملة. والا ما هو تفسير الميثاق الوطني، وما هو تفسير ميثاق العيش المشترك المنصوص عنه في البند "ي"؟ أنه يعني مشاركة الجميع، كما هي الحال الآن، ولكن بقوانين تختلف عن القانون الحالي، ودوائر مختلفة، ونظام إنتخابي مختلف، حتى يستطيع المرشح أن يفوز ربما بأفكاره وليس بطائفته.
لذلك أشدد على هذه المادة والى جانب ذلك، عندما يُنشأ مجلس الشيوخ يمكن ان يكون أكثر تعبيراً لخصوصية المذاهب والمناطق، بالقانون والمشاركة المتعادلة أيضاً. هذا ما أقصده بكلامي منذ زمن".
البيان الوزاري
سئل: "حتى اللحظة لم تتمكن اللجنة المكلفة صياغة البيان الوزاري من الاتفاق او التوصل الى إتفاق حول الشق السياسي ويقال ان الخلاف هو حول الفقرة المتعلقة بالمقاومة. كيف تنظرون الى هذا الخلاف البسيط؟
أجاب: "إنه خلاف بسيط طبعاً".
سئل: نعم، خاصة وأن سلاح المقاومة أمر يفترض أن يناقش على طاولة الحوار الوطني.
أجاب:" إن الأجواء التي أتتبعها يومياً في جلسات اللجنة الوزارية، حول مسألة صياغة البيان الوزاري لا توحي بالخلافات. ولكن هذا البيان يتطلب البحث الدقيق والمناقشة، وإن أربع أوخمس جلسات ليست بالامر الكبير في لبنان.
أما بخصوص موضوع المقاومة، فإن معظم الآراء متوافقة على إعتماد الصيغة التي وجدت في بيان الحكومة السابقة. وهذا أمر، ربما يحظى على موافقة المجموعة التي تتباحث في هذا الشأن".
ترسيم الحدود مع لبنان
سئل: "خلال القمة الأخيرة التي جمعتكم الى الرئيس السوري الدكتور بشار الاسد، طرحتم موضوع إعادة تفعيل اللجنة المشتركة لترسيم الحدود، هل هناك إجتماع قريب لهذه الغاية، وهل لمستم نيّة جدية لدى الجانب السوري لترسيم الحدود مع لبنان"؟
أجاب: "هناك نيّة أكيدة لترسيم الحدود مع لبنان، الامور تتأخر أحياناً، وهذه الاستحقاقات التاريخية الكبرى إذا تأخرت بعض الشيء، فلا بأس. إن التمثيل الديبلوماسي مع سوريا جاء بعد ستين سنة، وترسيم الحدود إذا ما تأخر شهراً أو شهرين فلا بأس بذلك.
طبعاً، إتفقنا مع الرئيس الاسد، منذ القمة الاولى أن تنتهي لجنة ترسيم الحدود السورية من عملها على الحدود بين سوريا والاردن، وتبدأ بالحدود مع لبنان".