دعا الى دولة مدنية والى استعادة الطبقة الوسطى وحث على توحيد الجامعة اللبنانية
الوزير حسين لـ "الانوار": "الترويكا" بدعة دمّرت الطائف وسيادة لبنان ليست مسؤولية اي طائفة او حزب او رئيس
عدنان السيد حسين وزير دولة، آت الى السلطة ليساهم في اطلاق مسيرة الدولة. اكاديمي قدم من الجامعة اللبنانية التي يصفها بأنها بيت امه وابيه. كان قبل الوزارة، استاذ العلاقات الدولية في الجامعة، وهو الآن يفكر في ترجمة نظرياته، مواقف في السياسة اللبنانية. يقيم الوزير عدنان السيد حسين في بناية تقع في شارع الوتوات مقابل المقر الرئيس للحزب الشيوعي اللبناني. ويرفض الاشارة اليه على انه "وديعة" 8 آذار لدى رئيس الجمهورية، لكنه يشدد على انه من فريق عمل رئيس الجمهورية.
"ليس المطلوب ان يكون كل وزير شيعي من 8 آذار، ولا كل وزير سني من 14 آذار، والرئاسة لكل لبنان". يؤكد الوزير الشاب، على ان مفتاح استعادة القضاء هيبته، وهو كف يد السياسيين عنه، وهو مفتاح الاصلاح في البيت اللبناني، وعلى ان الحكومة الجديدة، قادرة على تحقيق الانجازات، لأن الظروف الخارجية تساعد، شريطة ان تعمل كفريق، لا ان تتحول الى جزر. ويستغرب كيف نتصرف في لبنان على اساس فيدرالي وطائفي، بينما نحن في دولة مركزية، ويستهجن ان يكون ما بُني بعد الطائف ليس دولة، بل مجرد سلطة، وبالتالي يجب عادة النظر في هذا الاتفاق الذي لم يطبق اصلاً، انما بعد توافق الجميع على ذلك. وهذه هي وقائع الحوار.
*جئتم الى الحكم من الاكاديمية السياسية الى الاحتراف السياسي، ولكم تطلعات وآراء في السياسة واصلاحها، هل تشعرون بعد تعيينكم وزيراً، ان في البلاد ازمة نظام، ام ازمة حكم، وما هو التحدي الذي سيواجه لبنان في هذه المرحلة؟
- اي نظام سياسي في العالم، ينشأ على حقائق اجتماعية، كما قال استاذنا الكبير ابن خلدون، والسلطة متحركة، في حين للنظام السياسي قوام شبه ثابت، ومن يعرف تركيبة لبنان الاجتماعية، يسهل عليه معالجة اشكالات النظام السياسي. ان لبنان بتكوينه كدولة يخضع لاعتبار العلاقة ين المسلمين والمسيحيين. وهذا امر يجب الا يكون مدعاة للخجل او الخوف. بل هو امر حقيقي. ونحن من المؤمنين بضرورة الحفاظ على الفرادة اللبنانية في الشرق العربي، لكن مع ضرورة مواكبة الحداثة.
فإذا كنا مثلاً نريد المحافظة على التوازن الطائفي بين السلطات العليا، فلماذا نتخذ الطائفية سبيلاً لنا في التعليم، الصحة، المرافق العامة ونظام السير احيانا والعلاقة بين الناس والتنقل بين المناطق اللبنانية.. الدستور اللبناني لا يقيدنا الى هذا الحد، لكن للأسف فإن الاحداث اللبنانية منذ العام 1975، شوهت نظام العيش في لبنان، واضرت بمعظم اللبنانيين، وابعدت بشبابنا الى الخارج.
نعم في النظام اللبناني هناك شوائب، لكن عندما يقرر اللبنانيون بغالبيتهم الساحقة، وخصوصاً بعد موافقة المسيحيين، الانتقال الى الدولة المدنية، فسنكون في طليعة العاملين من اجل ذلك.
وفي ظل الدولة المدنية سنظل نحافظ على الاصالة الروحية والدينية والحضارية للشعب اللبناني بكل تنوعاته. اما اذا تحدثنا عن نظام الحكم والسلطات المتعاقبة، فأنا من اوائل المنتقدين والمتضررين. نحن من الطبقة الوسطى التي اندثرت في الحرب، ومن الجامعة اللبنانية، طالباً واستاذاً، هذه الجامعة التي كانت جيش لبنان الاول المدافع عن ترقيه الاجتماعي، تجاذبتها الطوائف والعشائر والزعامات، فأصبحت مجرد فروع متناثرة في المناطق. المطلوب توحيد الجامعة اللبنانية شكلاً ومضموناً، والمطلوب استعادة الزخم للطبقة الوسطى عبر اصلاحات اقتصادية واجتماعية لا بد من الخوض فيها.
ما بني بعد الطائف ليس دولة بل مجرد سلطة، اختصرت احياناً بـ (الترويكا) الامر الذي يخالف الدستور. وتأكد لنا بالممارسة خلال العشرين عاما الماضية انه لا بد لنا من مرجعية سياسية ودستورية تضبط الشأن العام، وتحافظ على وحدة البلد واستقراره، واذا ما تعطلت السلطات الدستورية، او تعرضت البلاد الى مخاطر حرب اهلية او غزو خارجي، من هنا، نحن من المؤيدين لإعادة النظر في صلاحيات رئيس الجمهورية من دون الانقلاب على الطائف، بمعنى ان تبقى السلطة الاجرائية بيد الحكومة مجتمعة، وان يحتفظ رئيس الجمهورية ببعض الصلاحيات التي تمكنه من حسم الامور، اذا ما تداعت هذه الامور نحو الاسوأ، وعلى سبيل المثال، يمكن التفكير في قدرة الرئيس على حل مجلس النواب. وعندما يحل المجلس، لا بد من تشكيل حكومة جديدة، اي تجديد الحياة السياسية، واعادة انتاج السلطة. هذا ما نفكر فيه بشكل عام، وفي الوقت نفسه، نحن مع تعميم حقوق الانسان، من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب. فلا يجوز ان نخالف مقدمة الدستور التي تتحدث بالالتزام بالاعلان العالمي لحقوق الانسان. نتجاذب طائفياً وسياسياً حول الطرقات، المياه والمدارس، وهو امر لا يليق بلبنان الرسالة ولبنان الحضاري في هذا الشرق العربي. لذلك اشكر فخامة الرئيس الذي اطلق دعوة كبرى نحو سياسة التوافق على قاعدة الاصلاح، ودعاالى الاصلاح، واعتقد انه سيدعو الى المزيد الى ذلك في الفترة المقبلة.
لست وديعة ولا من الودائع
*لقد جرى تداول اسمكم منذ مدة كرجل يعمل في فريق رئيس الجمهورية، لكن لوحظ في احاديثكم انكم تنتفضون على تسميتكم وديعة، لدى رئيس الجمهورية، ما سبب ذلك؟
- لأنه بكل بساطة انا لست وديعة، وفي المرحلة الماضية كنت مقيداً في الاعلام الذي وصفني بهذه الطريقة، من دون ان يكون لدي حق الرد، لأنني لا امتلك صفة رسمية، علما انني قد اشرت احياناً الى هذه المسألة، لكن الاعلام كان يطغى عليّ. رئاسة الجمهورية لا تتصرف بخجل وعندما نتكلم عن ودائع يساء اليّ شخصياً والى فخامة الرئيس. وكأن المطلوب من اي وزير شيعي ان يكون مع 8 آذار، واي وزير سني مع 14 آذار، هذا امر مخيف ومزعج للبنانيين، رئاسة الجمهورية ليست للموارنة فقط هي لكل لبنان وآن لنا ان نرتقي بفهمنا للدستور والقوانين وان نتعاطى مع الدولة كمؤسسة عليا عامة لكل اللبنانيين. اما موضوع الوديعة فأمر لا ينطبق عليّ، ولا على زميلي الوزير عدنان القصار لعدة اسباب، انا من الذين عرفوا فخامة الرئيس منذ ان كان قائداً للجيش، ولاحظت منذ ذلك الوقت توجهه الاصلاحي، وفهمه العام لأمور البلد، من دون ان يكون متمترساً في منطقة او طائفة، ونجح في دوره كقائد للجيش، وحمى البلاد من ازمات كثيرة في السنوات الاخيرة. الى ذلك، اذا كنا نطمح الى تأسيس سياسية توافقية، وفقا لبرنامج اصلاحي فلنتخط تقسيمات 8 و14 آذار، وصولا الى فرز جديد، يقوم على برامج سياسية لا على اسس طائفية. لكن نحن نفهم طبيعة المجتمع اللبناني، والتشوهات التي حصلت، وانا شخصياً لست حزبياً، بل اكاديمي، منصرف للبحث والكتابة، اقدر المقاومة في مواجهة اسرائيل، ولكن قد نختلف مع هذا الفريق او ذاك، في المسائل السياسية التي تتعلق بالنظام السياسي ونظام الحكم وتداول السلطة وبناء المؤسسات والحفاظ على الامن الداخلي وتنمية المناطق، باختصار نحن من فريق رئيس الجمهورية، ولا نقول من حصة، لان الرئاسة لا تدعو الى المحاصصة، ولا تؤمن بها طائفيا او غير طائفي.
بلبلة ام ضعضعة
*خلال السنة المنصرمة من عمر العهد ظهرت تصرفات من رئيس الجمهورية توحي، وكأنه يريد تكوين مجموعات سياسية تقف الى جانبه، فأيد في الانتخابات بصورة غير مباشرة فريقا وخالف آخر، ثم اثناء تشكيل الحكومة تبدلت مواقفه، ساعة هو مع توزير الراسبين وساعة اخرى ضد هذا التوجه. هل هذا يعود الى فريق عمله ام بلبلة في التوافق مع الرئيس المكلف؟
- لا اشرككم هذا التوصيف، وان كنت ألاحظ ان بعض المواقف يجري تفسيرها على غير محملها. في المبدأ لا مانع دستورياً او قانونياً من توزير راسبين في الانتخابات النيابية، وهناك اتجاه لبناني عام لفصل النيابة عن الوزارة. والانتخابات النيابية التي جرت أدخل فيها فخامة الرئيس، من قبل بعض الطامحين، للوصول الى الندوة النيابية. وهو لم يكن ليتدخل، خصوصاً ان موقعه كان قد تجاوز مسألة تكوين كتلة نيابية او وزارية، وكل ما هنالك، هو يريد دفع البلاد نحو تعددية سياسية، تحافظ على التنوع السياسي في لبنان، وتحمي الديمقراطية (الجنينية)، اذا جاز التعبير، وتحافظ على الحريات. لأنه لا يجوز مصادرة حق اي فرد في الترشح للندوة النيابية بحجة، اما ان تكون مع 8 او 14 آذار. هذه الثنائية يمكن لها ان تصبح ثلاثية او رباعية او خماسية، فالتعددية يجب الا تخيفنا، والبلدان القائمة على التعددية كايطاليا وتركيا لا تتعطل فيها انظمة الحكم. ونستطيع بعد الانتخابات العودة الى الائتلاف بين هذه التيارات. لقد بقي الخطاب السياسي من دون تغيير، لجهة الاصرار على وجود سياسة توافق في لبنان، واصلاح التشوهات التي نشأت بعد اتفاق الطائف باجماع وطني، وبقيت الرئاسة على انفتاحها وسجلت مواقع متقدمة في السياسة الخارجية، في عصر اصبحت فيه رئاسة الدولة، هي المولجة بالانفتاح السياسي والديبلوماسي، وصرنا في مرحلة ديبلوماسية القادة. صحيح اننا نحافظ على صلاحيات السفراء، حسب القانون الديبلوماسي، لكننا اليوم نلاحظ تنقل الرؤساء بين دول العالم، وعقدهم للمؤتمرات المتعددة الاطراف برعاية الامم المتحدة. وقد استطاع فخامة الرئيس خلال السنة ونصف السنة الماضية، ان يسجل انفتاحاً عالمياً فشرح قضية لبنان، وحصل على تأييد عربي واقليمي ودولي، في كثير من المواقف. وهذا ما ساعدنا على سبيل المثال في تشكيل الحكومة الجديدة، يعني ان التفاهم السعودي - السوري، كان من ضمن هذا الانفتاح، والادوار الاقليمية الاخرى سواء التركي او الايراني ايضا من ضمن هذا الانفتاح، كذلك الدور الفرنسي والعلاقة مع الادارة الاميركية، ما نطرحه لا يتعلق بالرئاسة بمفرده انما بالحكومة مجتمعة وبمجلس النواب. ثم ما هو موقف الشعب اللبناني، هل سنبقى نحن مجموعات، ام سنتحول الى شعب له قضية وطنية جامعة. فنحن لسنا دولة فيدرالية، بل نحن حسب القانون الدستوري، دولة بسيطة محكومة بسلطة مركزية، وحرية المعتقد مطلقة حسب الدستور، وهو شأن نتفرد به، لكن لماذا نتصرف على اساس فيدرالي طائفي، كل طائفة بمواجهة الاخرى، الرئيس تجاوز ذلك سواء بفكره او بممارسته ومسلكه السياسي.
القوة الثالثة
*في الفترة الاخيرة لاحظنا جنوحا نحو تأسيس قوة ثالثة بين 8 و14 آذار، رئيس مجلس النواب نبيه بري تحدث عن معارضة سابقة، والنائب وليد جنبلاط اشار الى متغيرات جديدة في لبنان والمنطقة، هل هذا اتجاه جديد ام للالتفاف حول رئيس الجمهورية؟
- المتغيرات التي تحصل في المنطقة الآن مهمة جدا، تبدأ من فشل السياسة الاميركية في العراق وافغانستان، ونصل الى تعثر العملية السلمية في المنطقة، اي الصراع العربي الاسرائيلي حيث التسوية الفلسطينية - الاسرائيلية مؤجلة. اضافة الى كل ذلك ثمة رياح طائفية تهب في كل المنطقة من باكستان الى العراق، مروراً ببلادنا، وربما وصولاً الى شمالي افريقيا. وكل مناطق العالم تقريبا تعاني منذ انتهاء الحرب الباردة، من انبعاث الاثنيات والاقليات والطائفيات. ونحن في لبنان اذا لم نواكب هذه المتغيرات فسنصل الى فوضى، خصوصاً ان نظامنا السياسي لم يستقل بعد، وان تجربة نظام الحكم غير مستقرة الى الآن. ان زعماء السياسة في لبنان، يعلمون انه لا يمكن المضي بالفرز القديم، والتجاذب السياسي الحاد الذي ساد بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. من هنا لا بد من اعادة النظر بكل هذه المتغيرات. فهل من الممكن البقاء على الطرح القديم، في الوقت الذي نشهد فيه تقدماً في الحوار السوري - الاميركي، وبلوغ العلاقات السورية - التركية درجة متقدمة في التكامل، وليس في التعاون الاقتصادي والامني، وفي ظل التوجه الى انشاء كتلة اقليمية في الشرق الاوسط، تبدأ من تركيا وايران وسوريا والعراق وقد تؤثر في مجمل مجريات المنطقة، الاتحاد الاوروبي ينتظر مصير التسوية العربية - الاسرائيلية، واين مشروع المتوسطية والشراكات العربية الاوروبية، وكل هذه الامور كانت مؤجلة بسبب الصراع العربي الاسرائيلي. واي متغير فيها، سيؤثر في لبنان. ثمة قاعدة في العلاقات الدولية تقول ان النظام الدولي بكل تكويناته ومساره، يؤثر في الكتل الاقليمية، فكيف هي الحال بدولة صغيرة مثل لبنان. من هنا نعتقد ان المرحلة الجديدة هي مرحلة فرز على اسس جديدة وعلى برامج جديدة. ربما قد ينشأ اتجاه مع الخصخصة للقطاعات الانتاجية، وآخر غير مؤيد، وهذا امر لا يخيف، ولا يهدد البلد، بينما التمرس الطائفي هو ما يهدد وحدة لبنان واللبنانيين.
نحن متفائلون بامكان التخلص من آثار المرحلة الماضية بما فيها من سلبيات على كل اللبنانيين، وسيادة لبنان وامنه ليست مسؤولية اي طائفة بمفردها، ولا اي حزب بمفرده، ولا رئيس الجمهورية بمفرده. اما ان نصل الى مفهوم الدولة، ونتخطى مفهوم السلطة، او ان نبقى ندور حول انفسنا في حلقة مفرغة.
حكومة الاربع سنوات
*هل هذه الحكومة هي حكومة الاربع سنوات المقبلة ام حكومة معالجة ثغرات وامراض السنوات الاربع السابقة؟
- الاثنان معاً، لا يمكن الانطلاق في اصلاح من دون معالجة الثغرات. وهذه حصلت بعد الطائف، فنحن لم نطبق هذا الاتفاق. لقد دعا الطائف الى عدة امور لم تنفذ بالكامل وهي: اللامركزية الادارية، الانماء المتوازن للمناطق، تنظيم الاعلام على اساس وطني، استقلالية القضاء، دعم التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية وانشاء الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية. لقد شوه، وكان علينا ان نصل الى انتخابات نيابية خارج القيد الطائفي، وننشئ مجلسا للشيوخ. لم ننفذ شيئا سوى اننا اقمنا سلطة استندت الى منافع ودعم خارجي ايام الوجود السوري في لبنان، فوصلنا الى هذه الحالة من التردي الاقتصادي، الاجتماعي والسياسي. امام هذه الحكومة ورشة عمل كبرى واستمرارها اربع سنوات ام لا امر يتعلق باداء هذه الحكومة سواء لجهة وحدتها كفريق عمل، او مدى نجاحها في انجاز مشاريع اصلاحية. اذا التزمنا بهذين الامرين فأتوقع عندها عمراً مديداً.
تخفيف الاحتقان
*برز اخيراً حديث، ومن فخامة الرئيس نفسه عن اعادة احياء طاولة الحوار الوطني بعد انطلاق عمل الحكومة، لكن ثمة متغيرات طرأت على البلاد من الانتخابات النيابية، الى تشكيل الحكومة، وصولاً الى الاجواء السياسية الجديدة، هل من الممكن ان نشهد تغيراً في الشخصيات الموجودة على طاولة الحوار؟ وهل يتوسع البند الوحيد الذي تبحث فيه هذه الطاولة ليشمل مختلف القضايا الوطنية؟
- الحوار الوطني ليس فلكلوراً، انما هو مطلوب لايجاد مناخ توافقي عام، ولتمكين السلطتين التنفيذية والتشريعية من القيام بعملهما على اكمل وجه، يعني بتعبير آخر، تخفيف الاحتقان القائم، واشاعة اجواء الارتياح لدى اللبنانيين، ليعملوا ويفكروا بحرية في جميع المناطق. اما تعديل طاولة الحوار بأشخاصها وبرامجها فإنه امر مطروح، لأنه علينا مواكبة نتائج الانتخابات لجهة ان تمثل الكتل الكبرى، واذا تمكنا من اشراك فعاليات اجتماعية ونقابية ونسائية، فهذا من شأنه ان يفيد طاولة الحوار. لأن الاستراتيجية الدفاعية لا تنفصل في دراستها عن القضايا المالية والاقتصادية، فتسليح الجيش يحتاج الى ميزانية معينة ومتابعة من جانب الحكومة، كما ان القضايا الامنية في الداخل تحتاج الى تنسيق بين الاجهزة الامنية. وما مصير سلاح (حزب الله) الا نقطة من مجموعة نقاط تشكل استراتيجية دفاعية، الهدف منها الحفاظ على سيادة لبنان واستقلاله، وحمايته من التدخلات الاسرائيلية. وعلينا ان لا ننسى لبرهة ان اسرائيل ضد لبنان ككيان متنوع، متعايش، له دور حضاري في المنطقة، وهي تطمع بمياهنا وتهجير اهل الجنوب منذ 60 عاماً. وآن لنا ان ندرك ان الدفاع عن الجنوب، هو دفاع عن كل لبنان كما ان الدفاع عن الشمال هو الامر نفسه، وحماية العاصمة كذلك. ثمة منطق مغلوط يحتاج الى تصحيح لدى اللبنانيين، وهذا لا يتحقق الا من خلال ارادة وطنية، وفكرة المواطنة هي اولى الموجبات على الجميع في المرحلة الجديدة، سواء من خلال الثقافة العامة في المدارس والجامعات، او من خلال الاعلام او الممارسة السياسية، طبعا سنحافظ على التعدد الطائفي الذي يجب الا نلغيه، لكن هناك شيء اسمه المواطن اللبناني. فما الذي يجمع اللبنانيين مع بعضهم بعضاً.
حل المشاكل الاجتماعية
*ما هي الاسس التي ترونها لانطلاقة حوارية بين اللبنانيين على اختلافهم، لبلوغ مناخات هادئة تتوسل الاصلاح لا الخناق؟
- بداية يجب حل المشاكل الضاغطة على الناس اجتماعياً، اقتصادياً ومالياً كموضوع الكهرباء، المياه، حركة السير والامن اليومي للمواطنين، كذلك مسألة التعليم، فهل نريد الغاء دور المدرسة الرسمية، التي نجحت في الشرق العربي حتى العام 1975 وسجلت الرقم الاول؟! في جميع دول العالم بما فيها الليبرالية المدرسة الرسمية هي الرقم واحد. هذه امور لا تتطلب مالا كثيراً. واذا استطعنا ضبط الانفاق المالي، واعادة الدور الى اجهزة الرقابة ننجح. انا مع اعادة الدور لأجهزة الرقابة بالكامل وبالمطلق، فلا يجب ان نعتمد على اخلاقية اي وزير او نائب او اي مسؤول. واي صندوق مالي يحتاج الى رقيب عليه. حتى الانبياء كانوا يراقبون الشأن المالي، من اقرب المقربين اليهم. ولدينا اجهزة رقابة، لكن تحتاج الى تفعيل دورها، وهذا يتطلب استعادة القضاء لهيبته. وهنا بيت ومفتاح الاصلاح الاول ومفتاح البيت اللبناني. والقضاء اللبناني له استقلاليته، ولتكف يد كل السياسيين عن التدخل في شؤونه. هذا امر يطمئن المستثمر الاجنبي، وكذلك المغترب اللبناني الذي يحول جزءاً من امواله الى لبنان.
انا متفائل
*هل تعتقدون ان الحكومة الجديدة مؤهلة للقيام بما طرحتم من افكار؟
- نحن متفائلون بقيام هذه الحكومة بدور ايجابي لأنها تضم كفاءات وقدرات بشرية مرموقة، فهي تضم اختصاصيين واشخاصاً لهم باع طويل في الشأن العام والمجتمع المدني والاقتصاد وغير ذلك، المهم ان تبقى الحكومة فريق عمل متكاملاً ولا تتحول الى جزر. لا اعتقد ان هذا التكوين الحكومي سيفكك، خصوصاً ان رئيس الحكومة يتحدث بأسلوب جديد عن الحكومات السابقة، ومندفع الى العمل، وهذه تجربته الاولى. كما اعتقد ان معالجة الامور الخارجية التي كانت تؤثر سلباً في لبنان وسواء بالنسبة للدول العربية ام للجوار الاقليمي او للعالم، ستساعد الحكومة على تنفيذ برنامجها الوزاري. واهم شيء ان تلتزم الحكومة ببيانها الوزاري، فلا يصبح مجرد (وديعة) توضع في ادراج مجلس الوزراء.
الاصلاح بوجود المرأة
*بعد تشكيل الحكومة التي ضمت وزيرتين حلت سيدة على رأس نقابة المحامين فهل هذه الظاهرة توحي بوجود مشاركة اجتماعية للمرأة من اجل تأهيل البلاد؟
- نعم، لقد سمعت شخصياً من فخامة الرئيس قبل تشكيل الحكومة وبعد ذلك انه يتابع شخصياً مسألة دور المرأة في لبنان، وخصوصاً في المسؤولية السياسية. واعتقد ان دور المرأة في اي دولة في العالم، منوط بحركة المجتمع وتتعلق بثقافة المجتمع وديناميته وانتاجه الاقتصادي. لقد كنا قبل العام 1975 بوضع افضل على مستوى مشاركة المرأة قياساً بالبلاد العربية الاخرى.
اليوم في سلطنة عُمان تشارك المرأة في مجال الشورى، وقد اصبحت على مستوى وكيل وزارة (مدير عام). المطلوب في لبنان انطلاقة سريعة تعوض ما فاته خلال الحرب. وثمة العديد من الجمعيات النسائية التي يمكن التعاون معها في هذا الامر. لكن علينا بداية تثقيف الاسرة والشعب اللبناني بضرورة اشراك المرأة. فلا يمكن تصور اي اصلاح من دون حركة المجتمع، وهذا منوط بدور المرأة.
وزير لا موظف
- انا موظف في ملاك الجامعة اللبنانية، وسأوضع خارجه كوني وزيراً، انا لست موظفاً في القصر الجمهوري، ولا يوجد لدي مكتب هناك. كنا نشارك فخامة الرئيس مع عدد من الموظفين في القصر، في مناقشة الامور العامة خصوصا الاستراتيجية الوطنية للدفاع.
عقدة التصويت
*هل انتم داخل الحكومة، وعند التصويت حول الاستراتيجية الدفاعية ستصوتون كما يريد الرئيس ام كما يريد (حزب الله) او توفقون بين الاثنين.
- نحن مع فخامة الرئيس اولاً واخيراً. واذا كنا معه بالفعل علينا ان نوجد سياسة توافقية، بحيث تؤخذ القرارات في مجلس الوزراء بالتوافق كما يقول الدستور، واذا تعذر ذلك فبالتصويت، اذا علينا المحاولة بداية مرات عدة، كي يحصل التوافق، واذا لم يحصل فنحن من فريق رئيس الجمهورية.
الفراغ عدو الجميع
*هل تعتقدون ان لبنان ذاهب الى الفراغ ام الى الازدهار؟
- اللبناني لا يمكن ان يقع في الفراغ، وقد اثبت اللبناني كفرد كفاءته في العالم كله، والتحدي هو هل يتحول اللبناني الى فريق عمل؟ كي ننجح في ذلك علينا ان نساعد في عملية الترقي الاجتماعي والثقافي، وهذا امر يؤخذ بالتدريج من الثقافة العامة.
الموقع والموضع
*من المعروف ان لبنان كان منذ عقود خلت وهكذا يبدو مستقلاً، ساحة صراع لقوى اقليمية ودولية، فهل سيبقى كذلك في ظل المتغيرات التي نشهدها اقليمياً ودولياً؟
- موقع لبنان في الشرق وعلى شاطئ المتوسط، وبالقرب من الدولة العبرية وبحكم انفتاحه منذ زمن بعيد على الشرق والغرب معا يجعله عرضة لهبوب الرياح من كل جانب. وموقعه الجيوسياسي هو الذي يفرض عليه هذا الوضع. فالموقع هو الذي يوجد الموضع، نحن لا نستطيع فك حالتنا عن هذه الاعتبارات. لذلك يجب ان نكون متحدين ومنفتحين، وفي الوقت نفسه نبني دولة بشكل صحيح بحيث نجتاز المرحلة المقبلة بأقل قدر من المجهود البشري والمادي. فلا يجوز ان نتخلف عن الركب بحجة الخلافات الطائفية، لأن هناك قضايا عديدة مشتركة لنبدأ منها، ولنترك القضايا الصعبة، فإذا لم تحل الآن فستحل لاحقاً. والحل طبعا لا يكون من خلال الحروب الاهلية، هل لبنان كيان خاطئ كما قال شمعون بيريس ام حالة فريدة كما اشار الارشاد الرسولي؟! على المسيحيين العودة الى الارشاد الرسولي بمساعدة المسلمين ودرسه جيداً. وانا كنت من الاشخاص الذين نبهوا الى ان هذا الارشاد، هو عرضة للتأويل او النسيان. ويا رجال الدين في لبنان قوموا بواجبكم الاول، ونفذوا مضامين الارشاد، وما شأنكم والسياسة.
جيرتي للشيوعي وعزيز
*تبدون يحديثكم قريبين من تفكير جان عزيز ابن منطقتكم جزين ومن منطق جيرتكم للحزب الشيوعي؟
- جان عزيز كان رائداً في العمل الانمائي والتربوي، وكان وزيراً للتربية ونائباً عن جزين في الخط الشهابي، واعتقد انه افاد بلدتي اللويزة من خلال ايصال الطرق المعبدة والمياه ولنأخذ من ذلك عبرة لباقي المناطق المحرومة في لبنان من الشمال الى الجنوب.
اما بالنسبة للجار الشيوعي، فنحن نتفهم مواقفهم وارادتهم في التغيير وفي نصرة الفقراء، ولا اعتقد ان هناك سبباً في الامتناع من جانب السلطة او الاحزاب بالتعاون مع اي فريق سياسي في لبنان، والمطلوب الانفتاح واخذ خبرات هذه القوى وتجاربها. فلهذا الحزب تجربته العريقة.